الخميس، 6 مايو 2010

تميم البرغوثى ... لا شىء جذرياً


لا شىء جذرياً

تميم البرغوثى

لا شيء جذريا
ستسقط المدن العاليات
ويخفت المصور الابدي الضوء عن مبانيها الشاهقة
ويضيء الفئران وأكياس القمامة السوداء،
فتلمع، وكأنها قبة البرلمان

لا شيء جذريا
ستنمو الشقوق التي في اصول الجدران كاللبلاب
كبرقٍ مضادٍّ ، يسري من الارض إلى السماء

لا شيء جذريا
أشجار الخريف التي عريت من أوراقها
تشبك أغصانها ، كأياد في مظاهر كبرى
والطيور تقرر بعد نقاش طويل ، ألا تهجرها

لا شيء جذرياً
لن يحي التلاميذ أعلام بلادهم
في طوابير المدارس
بل ستقف الاعلام طوابيرَ، تحيي التلاميذ

لا شيء جذرياً
سيتسلح الغزال جيداً
وستنسج أثواب الأعراس الفضفاضة من حلقات الزرد
وسيستعد الجميع للقيام بواجب الضيافة

لا شيء جذرياً
ستحط الذبابة بإصرار عجيب
على تاج القيصر
ومن موقعها المبجل
ستقلد حركاته بدقة متناهية

لا شيء جذريا
سيقلل السادة مقدار صاع الحنطة
عن أعدائهم أولاً
ثم عن حلفائهم
ثم عن أبنائهم
وسيمسك السادة بعضهم بتلابيب بعضٍ
وسيندم الحلفاء على حلفهم
وسيندم الأعداء على عداوتهم
وسينزل الفرح على أقل الناس أملاً فيه

لا شيء جذريا
سيولد دين جديد، كالعادة، بين الفرات والنيل
وكالعادة أيضا،
فإن نظام داوُد العسكري ، سيزول

لا شيء جذريا
نقطة العسل الكبرى التي تضيء الأفق الغربي
تكمل نزولها اليومي إلى البحر
وتذوب فيه فيحلو إلى حدٍّ ما

لا شيء جذرياً
يواصل الحمام كذبه على أسطول نوح
ويواصل الغراب تحذيره
وتواصل السفن رحلتها من محيط لمحيط
أصبح الطوفان روتيناً
كالمذهب في الموشح
وكذلك النجاة

ولذلك
فإن الحيوان المتهادن على السفينة،
غير مهدد بالموج،
مشتبك العيون ، ما بين كل ضبع وغزال
والكل مشتاقٌ إلى اليابسة
لا لشيءٍ إلا ليواصل الطراد

لا شيء جذرياً
ولأن الغيم على معرفة دقيقة بكمية المطر
التي صنعت الطوفان
فهو أكثر سكان المشهد اطمئناناً
ولأنه غيمٌ حنون
ما زال يبعث برسالة تلو الأخرى
لأكثر سكان المشهد شكاً في النجاة
للعجائز الذين تعلقت حياتهم بنشرة الأخبار
وللرضع المولودين بقبضات مشدودة
ويشكل نفسه كلمات بيضاء على لوحة زرقاء

أيها الناس
ستنتصرون

 

الجمعة، 30 أبريل 2010

الإنسان والشيء : عبد الوهاب المسيري



الإنسان والشيء

عبد الوهاب المسيري


نحن نعيش في عالم يحولنا إلى أشياء مادية ومساحات لا تتجاوز عالم الحواس الخمس، إذ تهيمن عليه رؤية مادية للكون. ولنضرب مثلاً بـ"التي شيرت" (T-Shirt) الذي يرتديه أي طفل أو رجل. إن الرداء الذي كان يُوظَّف في الماضي لستر عورة الإنسان ووقايته من الحر والبرد، وربما للتعبير عن الهوية، قد وُظِّف في حالة "التي شيرت" بحيث أصبح الإنسان مساحة لا خصوصية لها غير متجاوزة لعالم الحواس والطبيعة/المادة.
ثم توظف هذه المساحة في خدمة شركة الكوكاكولا (على سبيل المثال)، وهي عملية توظيف تُفقد المرء هويته وتحيّده بحيث يصبح منتجاً وبائعاً ومستهلكاً، أي أن "التي شيرت" أصبح آلية كامنة من آليات تحويل الإنسان إلى شيء.
ويمكن قول الشيء نفسه عن المنزل، فهو ليس بأمر محايد أو بريء، كما قد يتراءى للمرء لأول وهلة، فهو عادةً ما يُجسِّد رؤية للكون تؤثر في سلوك من يعيش فيه وتصبغ وجدانه، شاء أم أبى.
فإن قَطَنَ الإنسان المسلم في منزل بُنيَ على الطراز المعماري العربي والإسلامي فلا شك أن هذا سيزيده من ثقة في نفسه واعتزازه بهويته وتراثه. ولكننا لا نرى في كثير من المدن من العالم الإسلامي أي مظاهر أو آثار للرؤية العربية الإسلامية (إلا في المسجد)، وبدلاً من ذلك أصبح المنزل -عملياً وظيفياً- يهدف إلى تحقيق الكفاءة في الحركة والأداء ولا يكترث بالخصوصية، أي أنه مثل "التي شيرت" أصبح هو الآخر خلواً من الشخصية والعمق.
وأثاث هذا المنزل عادة وظيفي، يلفظ أي خصوصية باسم الوظيفية والبساطة. ولكن البساطة هنا تعني في الواقع غياب الخصوصية (الرؤية المادية تفضل البساطة على الجمال المركب، ومن هنا عبارة "خليك طبيعي").
ونفس الشيء ينطبق على طعام "التيك أواي" أو السفاري، فهو الآخر يعيد صياغة وجدان الإنسان. الناس هم الذين  يعدون طعامهم بأنفسهم، ثم يتناولونه سوياً. هذا ما كان سائداً في كل أرجاء العالم بما في ذلك الغرب.
أما ظاهرة أكل طعام قد تم إعداده من قبل، ويأكله المرء وهو يسير أو يجري، فهذه ظاهرة جديدة على الجنس البشري، ولابد أن نتنبه إلى الرؤية الكامنة وراءها، فهي رؤية تعتمد السرعة والحركة في الحيز المادي، مقياسا وحيدا، وهي بذلك تحوِّل الإنسان إلى كائن نمطي يشبه الآلة.
إن هذه الوجبة السريعة الحركية تعني التخلي عن مجموعة ضخمة من القيم الإنسانية المهمة، مثل أن يجلس المرء مع أعضاء أسرته أو أصدقائه في شكل حلقة ليتناول الطعام معهم فيتحدثون في مواضيع شتى، فالإنسان هو من يأنس بغيره.
ولعل العبارة العامية المصرية "أكلوا عيش وملح سوا" (أي سوياً) تشير إلى مجموعة القيم هذه. وأنا لست من الغباء بحيث أطالب بتحريم أو تجريم هذه الوجبات، فأنا أدرك تماما ضرورة اللجوء إلى كثير من الإجراءات ذات الطابع المادي (الاقتصادي السياسي) في حياة الإنسان اليومية، والوجبة السريعة كثيرا ما تكون ضرورية، بل وحتمية.
ولكن عندما تتحرك هذه الإجراءات المادية إلى المركز وتصبح هي القاعدة والمعيار، نكون قد سقطنا في العلمانية الشاملة. وقد قرأت مؤخراً أن عدد الأقواس الصفراء (علامة ماكدونالد) يفوق عدد الصلبان في العالم الغربي!
وما يهمنا في كل هذا أن بعض المنتجات الحضارية التي قد تبدو بريئة (فهي معظمها حلال)، تؤثر في وجداننا وتعيد صياغة رؤيتنا لأنفسنا وللعالم.
وما قولكم في هذه النجمة السينمائية المغمورة (أو الساطعة) التي تحدثنا عن ذكريات طفولتها وفلسفتها في الحياة وعدد المرات التي تزوجت فيها وخبراتها المتنوعة مع أزواجها، ثم تتناقل الصحف هذه الأخبار وكأنها الحكمة كل الحكمة!  
وقد تحدثت إحداهن مؤخرا عما سمته "الإغراء الراقي"، ما يدل على عمقها الفكري الذي لا يمكن أن تسبر أغواره. أليس هذا أيضاً هيمنة النموذج المادي على الوجدان والأحلام إذ تحوَّلت النجمة إلى مصدر للقيمة وأصبح أسلوب حياتها هو القدوة التي تُحتذى، وأصبحت أقوالها المرجعية النهائية؟
ومع هذا، تُصر بعض الصحف على أن "فلانة" المغنية أو الراقصة أو عارضة الأزياء لا تختلف في أحكامها وحكمتها عن أحكام وحكمة أحكم الحكماء وأعمق الفلاسفة. والمسكينة لا علاقة لها بأي مرجعية ولا أي قيمة ولا أي مطلقية، إذ إن رؤيتها للعالم محصورة بحدود جسدها الذي قد يكون فاتناً، ولكنه -لا شك- محدود ونسبي.
كما أن خبراتها مع أزواجها -رغم أنها قد تكون مثيرة- لا تصلح أساساً لرؤية معرفية أخلاقية، إلا إذا كانت رؤية مادية عدمية ترى أن كل الأمور نسبية.
وإذا أخذنا الحكمة من أفواه نجمات السينما والراقصات وملكات الجاذبية الجنسية، فستكون حكمة لها طابعها الخاص الذي لا يمكن أن يُوصف بالروحانية أو الأخلاقية أو ما شابه من أوصاف تقليدية عتيقة!
وقد يكون وصف أقوال هذه النجمة بأنها منافية للأخلاق أو للذوق العام وصفاً دقيقاً، ولكنه مع هذا لا يُبيِّن الدور الذي تلعبه النجمة وأفكارها في إعادة صياغة رؤية الإنسان لنفسه وتَصوُّره لذاته وللكون بشكل غير واع، ربما من جانبها ومن جانب المتلقي معا.
ولنتخيل الآن إنساناً يلبس "التي شيرت"، ويسكن في منزل وظيفي بُني ربما على طريقة "البريفاب" (الكتل الصماء سابقة الإعداد)، ويأكل طعاماً وظيفياً (همبورغر- تيك أواي تم طبخه بطريقة نمطية)، وينام على سرير وظيفي ويشرب الكوكاكولا، ويشاهد الإعلانات التجارية التي تغويه بالاستهلاك والمزيد من استهلاك سلع لا يحتاج إليها في المقام الأول، ويعيش في مدينة شوارعها فسيحة عليه أن يجري بسيارته المستوردة بسرعة مائة ميل في الساعة، ويهرع بسيارته من محل عمله إلى محل طعام "التيك أواي" ومنها إلى مركز التسوق الذي يتسلع البشر، ويداوم على مشاهدة الأفلام الأميركية (الإباحية أو غير الإباحية) بشراهة غير مادية، ويسمع أخبار النجوم وفضائحهم، ويدمن تلقي الحكمة من النجمات الساطعات أو المغمورات..
ألن يتحول هذا الإنسان إلى إنسان وظيفي متكيف لا تُوجَد في حياته خصوصية أو أسرار.. إنسان قادر على تنفيذ كل ما يصدر إليه من أوامر دون أن يثير أية تساؤلات أخلاقية أو فلسفية؟
قد يقيم هذا الإنسان الوظيفي الصلاة في مواقيتها، ولكن كل ما حوله يخلق له بيئة معادية لإدراك مفهوم القيمة المتجاوزة لعالم الحواس الخمس وجدواها. لقد سقط الإنسان في المنظومة المادية واخترقته مجموعة من الأحلام والأوهام والرغبات لا يدرك تضميناتها الاجتماعية والأخلاقية، رغم أنها توجِّه وتحدِّد أولوياته دون وعي منه.
ونحن حين نتحدث عن الحضارة المادية فنحن عادة ما نتصور أننا نتحدث عن الحضارة الغربية وحدها، وهذا خلل ما بعده خلل، ففي الغرب يوجد كثير من المظاهر الإنسانية المتجاوزة لسطح المادة، ففي الغرب موزارت وبتهوفن والطعام الفرنسي وكثير من المظاهر المحتفظة بأصالتها وخصوصيتها.
إن المنتجات المادية الحديثة تتميز بكونها معادية للخصوصية.. ألخصوصية الغربية والخصوصية الإنسانية. ولنقارن موسيقى الديسكو بالموسيقى الكلاسيكية الغربية والعربية، و"التي شيرت" برداء الإنسان الغربي، ستجد أن منتجات هذه الحضارة المادية -التي أسميها "ضد الحضارة"- غير منتمية لأي تشكيل حضاري أو اجتماعي.
هي حقا بدأت في الولايات المتحدة لكنها ليست أميركية، لأن الحضارة الأميركية الحقيقية حضارة لها سماتها الفريدة، وهناك تقاليد حضارية أميركية قامت هذه الحضارة الجديدة الضد بتقويضها.
ولكن المشكلة أن كل هذه التقاليد وكل هذه الخصوصيات آخذة في التآكل بسبب المد الجارف للحضارة المادية. وهذه الحضارة المادية ليست معادية للشرق وحده، بل هي ظاهرة ورؤية أمسكت بتلابيب العالم شرقه وغربه، شماله وجنوبه، ولا يظنن أحد أننا بمأمن منها ومن عدميتها وعدائها للإنسان.
كل هذا مقدمة لما حدث في عالم الرياضة. إن الرؤية المادية قد تغلغلت في كل مجالات الحياة. خذ على سبيل المثال عالم الرياضة.. كانت ممارسة الرياضة في الماضي تهدف إلى تهذيب الجسد والنفس وتدريب الناس على التعاون وتسليتهم في الوقت ذاته، بحيث يقضون وقت الفراغ بطريقة متحضرة.
كما أنها على مستوى آخر كانت تدريبا على الصراع الرقيق لتفريغ نزعات البشر العدوانية من خلال قنوات متحضرة..
حينما كنت في مدرسة دمنهور الثانوية كان فريق كرة السلة من أهم الفرق على مستوى الجمهورية، وكنا نصل إلى المركز الأول في بعض البطولات إن لم تخنّي الذاكرة..
ولكن ما أذكره جيداً هو أن الأستاذ الحبروك -المشرف على الفرق الرياضية آنذاك- كان ينصحنا بأنه حينما كان يأتي فريق من المراكز المجاورة لنا -وكانوا عادةً أدنى منا في المستوى- كان يطلب منا ألا نهزمهم هزيمة ساحقة، بل أن ندعهم يحرزون بعض الأهداف حتى لا يشعروا بالإحباط.
وكنا نشجع فريق كرة القدم الخاص بدمنهور، ولكننا في الوقت ذاته كنا نشجع "اللعبة الحلوة" بغض النظر عن مصدرها. إن ما كان يهيمن علينا ليس النموذج المادي ولا النموذج الدارويني الصارم حيث يكون كل الناس إما منتصراً أو مهزوما، ولا نموذج السوق وآليات العرض والطلب التي لا تعرف الله أو الإنسان، وإنما نموذج إنساني يقبل حتمية الاختلاف والصراع، ولكنه لا يجعلها مرجعيته النهائية، إذ توجد قيم أخرى مثل التراحم والإيمان بإنسانيتنا المشتركة.
ولكن الرياضة انفصلت تدريجيا عن كل هذه القيم لتصبح مرجعية ذاتها، ومنفصلة عن القيمة وتصبح معايير الرياضة رياضية، ويصبح إحراز النصر هو الهدف الأعلى والأسفل والوحيد. ونسمع بعد ذلك عن تفرغ اللاعبين تماما للرياضة واحترافهم. والاحتراف يتناقض تماما مع فكرة التسلية وتزجية وقت الفراغ واللعب بطريقة إنسانية متحضرة، فهي تجعل الرياضة مركز الحياة.
قابلت مرة أحد كبار لاعبي كرة القدم في الولايات المتحدة وهي مختلفة عن كرة القدم في بقية العالم، واللاعبون لابد أن يتمتعوا بلياقة بدنية فائقة، وأجسامهم يجب أن تكون ضخمة وعضلاتهم بارزة حتى يمكنهم تحمل الصدمات. المهم.. فتح لي قلبه وتحدث عن بؤسه، وكيف يراقب المدرب كل جوانب حياته العامة والخاصة، فهو يراقب وجباته اليومية ويطلب منه أن يأكل كذا من البروتين وكذا من الخضراوات، كما يراقب حياته العاطفية بل والجنسية، فهو لا يمكنه أن يخرج مع صديقته قبل المباراة بأسبوع، ولا يمكنه مضاجعتها أو مضاجعة زوجته.
هو لم يستخدم مصطلح "تشيّؤ"، أي أن يتحول الإنسان إلى شيء، ولكن هذا هو أدق وصف لما حدث له. 
في المدارس الثانوية بالولايات المتحدة، تقوم فرق كرة القدم بدراسة تكتيكات الفريق الذي سينازلهم من خلال أفلام فيديو يصورونها لمباراة سابقة له، كما يدرسون أداءهم بنفس الطريقة.
هل هذا له علاقة بالتسلية واللعب، أم أنه ينبع من نموذج مادي صراعي يجعل الفوز وهزيمة الآخر هو الهدف الوحيد؟ ومن هنا تدفع المكافآت السخية لأعضاء الفريق الفائز. وتنتهي المباريات في الآونة الأخيرة بمعارك يُجرح فيها بعض الناس، بل وقُتل ضابط شرطة في إيطاليا بعد مباراة حامية الوطيس.. كل هذا يعني هيمنة النموذج الصراعي وتراجع النموذج الإنساني التراحمي.
وقد اقتحمت أخلاقيات السوق عالم الرياضة فيتم "بيع" لاعب مغربي لنادي إيطالي، ولاعب إيطالي لنادي ليبي وهكذا، وكأننا في سوق النخاسة.
ولذا بدلا من الانتماء إلى الوطن والقيم يصبح الانتماء إلى المال، المحرك الأول للإنسان الاقتصادي. ونسمع بعد ذلك عن عدد كبير من الرياضيين يستخدم المخدرات والأدوية المنشطة الممنوعة لتحقيق النصر. ويتقاضى أعضاء الفريق الفائز مبالغ طائلة مكافأة لهم، وهى مكافآت سخية على أدائهم، قد تصل إلى مرتب أستاذ جامعي لعدة سنوات.
بل في إحدى الجولات الرياضية حصل كل عضو من أعضاء الفريق الفائز على سيارة "بي.أم.دبليو" وهذه قمة الأحلام العلمانية! أين كل هذا من قيم التعاون والصراع الرقيق والمرجعية الإنسانية؟ لقد اقتحمت اقتصاديات السوق هذا القطاع تماما، وسيطرت عليه قوانين العرض والطلب والمادية وتم تشييء الإنسان ونزع القداسة عنه، وتحوّل إلى مادة استعمالية مرنة ليس فيها من الإنسانية سوى الاسم، أي أن النموذج المادي الصراعي الدارويني قد ساد تماماً.
هذه هي مأساة الحضري الذي وقع صريع هذا النموذج، وسلك سلوكاً متسقاً معه، فهاجت الدنيا ضده؟ والسؤال هو: لماذا هذا الهيجان والتهيج؟ أليست المسألة مسألة عرض وطلب لا مسألة انتماء وطني وإنساني؟!
وعلى أية حال، بعد الهيجان استقرت الأمور داخل إطار الخصخصة وقبل النادي الأهلي التعويض المالي المناسب عن فقدانه إحدى أشيائه الثمينة.. والله أعلم.







الجمعة، 9 أبريل 2010

النسبية


أ.د. جعفر شيخ إدريس
مجلة البيان العدد 160 , ذو الحجة 1421 هـ
 
تـُطلق النسبية في لغتنا العربية المعاصرة على نوعين مختلفين من النظريات تسمى إحداهما في اللغة الإنجليزية relativity وهي نظرية آينشتاين المشهورة في الفيزياء ، كما تطلق على نظرية في الفلسفة والعلوم الاجتماعية تسمى في الإنجليزية : relativism وحديثنا هنا عن الثانية لا الأولى .
النظرية هذه نظرية قديمة حديثة أول من تنسب إليه في تاريخ الفكر الغربي بروتوجراس اليوناني في القرن الخامس قبل الميلاد . ويقول بها مفكرون غربيون معاصرون ولا سيما المختصين منهم بعلم الاجتماع والأنثروبولوجيا . وفحوى هذه النظرية هو أنه ليس هنالك معيار ثابت يميز به بين الحق والباطل وبين الخير والشر ، بل إن هذه الأحكام أحكام نسبية . ولكن نسبة إلى ماذا ؟ هنا يختلف
القائلون بهذه النسبية ؛ فالغلاة منهم ينسبونها إلى الأفراد ، أي إن ما يراه زيد حقاً أو خيراً فهو حق أو خير بالنسبة له وإن خالفه في ذلك عمرو وغيره من الناس . ويرى بعضهم أنها تنسب إلى ثقافة كل مجتمع . والثقافة culture عندهم هي منهاج حياة مجتمع من المجتمعات في فترة معينة من تاريخه ، وهي تشمل معتقداته ، وأنواع سلوكه ، ولغته ، وتشمل كذلك عاداته وتقاليده وفنونه ومخترعاته وتقنيته وتراثه ؛ فما يراه أصحاب كل ثقافة حقاً أو خيراً فهو حق أو خير بالنسبة لثقافتهم هذه ؛ لأنه ليس هنالك معيار عالمي للحق والخير متفق عليه بين الناس . يقول أحدهم : « كل ما كان من أعراف وعادات زمان ومكان معين فله ما يسوِّغه في ذلك
الزمان والمكان » [1] وتقول عالمة اجتماع أخرى : « إن معظم المجتمعات البشرية تسلك طرقاً مختلفة طلباً لغايات مختلفة ؛ فلا يمكن الحكم على وسيلة منها أو غاية بمقاييس مجتمع آخر ؛ لأنها غير قابلة للموازنة » [2] . فليس هنالك إذن معيار عالمي تقاس به الثقافات ، فيُصَوَّب بعضٌ أو يُخَطَّأ بعضٌ ، أو يفضل بعض على بعض . وعليه يقولون فلا يحق لأصحاب ثقافة ما أن يحكموا على الثقافات الأخرى بمعايير ثقافتهم ؛ بل إن النظرة العلمية المحايدة تقتضي أن تقوَّم كل ثقافة تقويماً داخلياً بمعاييرها هي لا بمعايير أجنبية عنها . فإذا كان الإسكيمو مثلاً يرون أنه من الكرم أن يُعِير الزوج زوجته لغيره ، وإذا كانت بعض المجتمعات تقتل الأولاد في المهد ، أو تقتل كبار السن لأنهم لا ينتجون ، فبأي معيار ننكر عليهم أعمالهم هذه ؟
يلاحظ على هذه النظرية ما يلى :
أولاً : كونها من النوع الذي يقال عنه إنه ينقض نفسه ؛ لأنه إذا كان كل حكم بالصحة أو البطلان وبالخيرية والشرية إنما هو حكم ذاتي أو ثقافي ؛ فإن القول بهذه النظرية هو نفسه حكم ذاتي ، أو من إملاء ثقافة معينة ، فبأي حق يقال إنه حقيقة عالمية يجب على الناس مراعاتها كما هو ظاهر قول دعاتها ؟
ثانياً : أن هنالك قيماً خلقية وأنماط سلوك مشتركة بين الناس جميعاً رغم اختلاف ثقافاتهم وأزمانهم وأماكنهم ، كما اكتشف ذلك بعض علماء الأنثروبولوجيا أنفسهم . ويمثلون لهذه القيم باعتبار الكذب والقتل وغشيان المحارم وعدم العدل في المعاملة من الرذائل في كل المجتمعات .
ثالثاً : أن عدم اتفاق الناس جميعاً على معايير للأخلاق وللصدق لا يعني أنه ليست هنالك معايير ؛ فوجود المعيار شيء والاتفاق عليه شيء آخر .
رابعاً : أنه ما من أصحاب ثقافة إلا وهم يحاولون تسويغ قيمهم وسلوكهم بمسوِّغات مستندة إلى معايير . لا أحد منهم يقول : هذا ما نراه وهو حق أو خير لأننا نراه حقاً أو خيراً ، بل يحاولون تسويغه استناداً إلى معايير قد يمكن مناقشتهم فيها وبيان خطئهم فيها استناداً إلى معايير عقلانية يشتركون فيها مع سائر الآدميين . خذ وأد البنات عند عرب الجاهلية مثلاً : لقد كانوا يفعلون هذا بحجة خشية الإملاق كما ذكر القرآن الكريم ؛ وهم كانوا مع ذلك يؤمنون بالخالق سبحانه ، ولذلك أُمكن أن يُناقشوا وأن يتغير موقفهم بعد أن أسلموا وحسنت بالله معرفتهم .
خامساً : أن الواقع المحسوس الذي يؤمن بشهادته كل البشر يدل على كون الشيء حقاً أو باطلاً ليس بالأمر الذي تقرره الأهواء الفردية أو الثقافية . لا يقول آدمي عاقل مهما كانت ثقافته : إن طلوع الشمس مثلاً أمر نسبي ؛ فهي طالعة بالنسبة لبعض غائبة بالنسبة لآخرين في نفس الوقت ونفس المكان .
سادساً : حتى لو قلنا بالنسبية فلماذا تكون النسبة إلى أهـواء الأفراد وإلى الثقافات ؟ لماذا لا تكون إلى أمور يشترك فيها البشر : شهادة الحس ، الأدلة العقلية ، أو حتى بعض المسوغات الباطلة التي يمكن مناقشة الناس فيها كما ذكرنا في المسألة الرابعة ؟
سابعاً : إن البشر كائنات اجتماعية ، وهم لا يستطيعون أن يكونوا مجتمعاً متعاوناً مترابطاً إلا بقيم معينة مثل تلك التي ذكرناها آنفاً والتي صار بعض من علماء الاقتصاد والاجتماع يسميها لذلك بالرأسمال الاجتماعي . فالمجتمع كلما كان رأسماله منها كبيراً كان أكثر تماسكاً واستطاع أن يحقق من أهدافه الاقتصادية والسياسية ما لا يحققه مجتمع تفكك بسبب قلة نصيبه من رأس المال هذا [3] .
لكن النسبية برغم بطلانها هذا تنتشر الآن في الغرب ، وفي أوساط الشباب خاصة انتشاراً مرَضياً كما تذكر المراجع ، وكما سمعنا من شبابنا الذين يدرسون معهم في جامعاتهم . لقد صاروا يعتقدون أن مسائل الأخلاق والأديان كالمسائل الذوقية التي يختلف فيها الناس اختلافاً يرجع إلى أمزجتهم ؛ لأنه ليس هنالك من معيار موضوعي لها . وربما كان هذا الإيمان بالنسبية رد فعل للتعصب المقيت الذي كان وما يزال سائداً في بعض الأوساط الغربية التي تجعل من ثقافتها المعيار الوحيد الذي تقاس به أديان الآخرين وقيمهم وعاداتهم وتقاليدهم ؛ فما اقترب منها إليهم كان أقرب إلى الحق والخير ، وما بَعُدَ عنها كان عنهما أبعد . والحقيقة أن العالم الإسلامي ، بل كل العالم قد عانى من أمثال هؤلاء ، ولا سيما السياسيين منهم ، ما لم يعانِ من القائلين بالنسبية ؛ وذلك لأن القول بالنسبية وإن كان باطلاً ينتج عنه عادة نوع من التسامح مع المخالف .
لكن النسبية تبقى داءً من أدواء الحضارة الغربية . وقد انتقل هذا الداء ، كما انتقل غيره من الأدواء ، إلى كثير من مثقفينا في العالم الإسلامي ، حتى الإسلاميين منهم . بل إن بعض هؤلاء الإسلاميين صاروا يبحثون للنسبية عن أصول في إرثنا الإسلامي ؛ فهم تارة يذكرون قول القائلين من الأصوليين بأن كل مجتهد مصيب ، وتارة يستدلون كاستدلال أولئك بقصة الصلاة في بني قريظة ، تارة أخرى يذكرون قاعدة تغيُّر الأحكام بتغيُّر الزمان والمكان ، ويرون أكبر دليل عليها كون الإمام الشافعي صار له مذهب جديد بعد انتقاله إلى مصر . الحقيقة أنه ليس في شيء من هذا ما يعضد فكرة النسبية في شكلها الغربي الذي شرحناه .
أولاً : لأن المسلم ، بل كل مؤمن بوجود الخالق ، يعتقد أن وجود خالقه ليس أمراً نسبياً تابعاً لعقول المؤمنين ، بل يعتقد أنه موجود وجوداً مستقلاً حتى عن معرفة الناس به ، بل حتى عن وجودهم . أعني أن الخالق موجود حتى لو لم يكن في الوجود إنسان ؛ لأن وجوده سبحانه سابق لوجود كل المؤمنين به . فوجوده إذن حق مطلق غير مقيد بشيء ، فلا يمكن أن يكون نسبياً . والمسلم يعتقد إلى جانب ذلك أن هذا الخالق مستحق وحده للعبادة حتى لو لم يعبده من البشر عابد . فقضية استحقاقه للعبادة هي أيضاً حقيقة مطلقة غير مقيدة بعبادة العابدين . وكذلك الأمر بالنسبة للفضائل الخلقية من صدق وعدل وأمانة ووفاء ، يعتقد المسلم أن هذه فضائل سواء آمن الناس بها أو لم يؤمنوا ، وسواء التزموا بها أو لم يلتزموا ؛ فقيمتها هي إذن قيمة مطلقة غير منسوبة لا إلى الأفراد ولا إلى الثقافات .
ثانياً : والقائلون بأن كل مجتهد مصيب لا يقولون إن معيار الصواب هو قول المجتهد ؛ لأنهم يعلمون أن القاعدة الإسلامية هي أن الحق لا يُعرَف بالرجال ؛ فهم ينسبون الإصابة إلى الاجتهاد الذي هو أمر موضوعي مستند إلى أدلة . لكننا لا نستطيع رغم ذلك أن نقول إن كل مجتهد مصيب ؛ فماذا لو كانت اجتهاداتهم متناقضة ؟ بأن يقول هذا : إن الأمر مشروع ، وذاك يقول : إنه غير مشروع ؟ أو يقول هذا : إنه واجب أو مندوب ، ويقول الآخر : إنه حرام أو مكروه ! إن تصويب كل منهم جمعٌ بين النقيضين ، وهو أمر لا يقول به عاقل . أما إذا لم تكن الاجتهادات متناقضة فقد تكون كلها صواباً وقد لا تكون .
ثالثاً : أما قصة الصلاة في بني قريظة فأظن أن كثيراً من الذين يستدلون بها على نسبية الصواب لم يفهموا قول النبي صلى الله عليه وسلم على وجهه . نعم إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يخطِّئ الذين صلوا قبل الوصول إلى بني قريظة ، كما أنه لم يخطئ الذين لم يصلُّوا إلا بعد الوصول إليها ؛ فكأنه صلى الله عليه وسلم قال : إن الصلاة قبل الوصول إليها مقبولة والصلاة بعد الوصول إليها مقبولة ؛ وهذا أمر لا تناقض فيه ، كما أنه لا تناقض بين القول بأن الصلاة في أول الوقت مقبولة وفي آخره مقبولة . لكن يبقى أمر آخر هو أن الرسول صلى الله عليه وسلم وإن صوَّب ما فعله كل من الفريقين إلا أنه لم يصوِّب ظن كل منهما بأن ما فعله الآخر
خطأ ؛ فكأنه صلى الله عليه وسلم قال لكل منهما : إنك أصبت فيما فعلت ، وأخطأت في تخطئتك لفعل الفريق الآخر . نقول بعبارة أخرى : إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصوِّب المذهب الكامل لأي من الفريقين ، وإنما أقر ما في كل منهما من الصواب .
رابعاً : أما مذهب الشافعي الجديد فيكفي في بيان عدم علاقته بالنسبية ، كون الشافعي غيَّر رأيه في مسائل لا علاقة لها بالمكان الذي انتقل إليه ، فلا يمكن أن يكون المكان سبباً فيها . من ذلك أن من تحرى القبلة فصلى ثم تبين له أنه صلى إلى غير القبلة : هل تجب عليه الإعادة ؟ قال في القديم : لا تجب . وقال في الجديد : بل تجب . فما علاقة هذا بكونه في مصر أو في الحجاز ؟ وإذا كان
الشافعي قد غيَّر رأيه في بعض المسائل فكذلك فعل غيره من الأئمة من أمثال الإمام أحمد من غير أن يرحلوا عن المكان الذي هم فيه . بقي أن نقول : إن هنالك أموراً هي بطبيعتها نسبية ، والناس متفقون على نسبيتها ؛ فما ينبغي أن تختلط بنسبية الحقيقة ونسبية القيم الخلقية التي كانت موضوع هذا المقال . من النسبيات المقبولة نسبية الطول والقصر مثلاً ؛ فوصف الإنسان بالطول والقصر إنما يكون بحسب أطوال غيره من البشر ، بل قد يكون بحسب الطول المعهود في المكان الذي هو فيه . فالقصير في جنوب السودان قد
يكون طويلاً في الصين . لكن هذه النسبية لا تسبِّب خلافاً كبيراً بين الناس ؛ لأنهم في العادة يتفقون على ما يُنسب إليه الأمر . فالإنسان طويل أو قصير بالنسبة إلى البشر لا بالنسبة إلى النخل ، وكذلك هو سريع أو بطيء بالنسبة للناس لا للخيول والسيارات ، والصلاة خفيفة أو طويلة بالنسبة إلى صلاة النبي صلى الله عليه وسلم ، لا بالنسبة إلى ما يقدره كل إنسان .
________________________
(1) William Graham Summer, as quoted in Harold M ، Hodges,Jr ، Conflict and Consensus, An Introduction to Sociology, Harper and Row, New York, etc ، , p 60 .
(2) المرجع السابق والصفحة .
(3) Francis Fukuyama, The Great Disruption : Human Nature and the Reconstitution of Social Order, The Free Press, New York, 1999, pp 18-19